November 3 2014

جان بيير بران

في عام 2009، سيف القذافي؛ نجل الزعيم الليبي السابق، قام بشراء قصر مبني على الطراز الجورجي الحديث يحتوي على ثماني غرف نوم مع بركة سباحة داخلية وسينما خاصة في إحدى الضواحي المرموقة في شمال لندن. وتم شراء العقار من خلال شركة بريطانية  تقع في جزر فيرجن البريطانية، في ما وصفه الوكيل العقاري بأنها كانت مشاهدة "أسرع من المعتاد".

بعد الاطاحة بمعمر القذافي، أصبح القصر - لفترة قصيرة- موقع القاعدة الأمامية للدول العربية التي تمر بمرحلة انتقالية، عندما سعى الملاك بوضع اليد، إلى استعادته – مدعين أنه – "من أجل شعب ليبيا". في ديسمبر 2011، ذهبت السلطات المثبتة حديثا في ليبيا إلى المحكمة لاسترداد الملكية التي تم الحصول عليها من الأموال المتحصلة من خزينة الدولة.

ولكن بدلا من السعي إلى المصادرة من خلال تحقيق جنائي طويل وصعب، ارتأوا أنه كان من الأسهل الادعاء بملكية العقار مباشرة من خلال رفع قضية مدنية أمام المحكمة العليا في لندن، حيث قام القاضي بمنحهم حق الملكية.

كان هذا أمرا بارزا ونتيجة واعدة من منظور استرداد الأموال. وعندما تنحى الرئيسين السابقين بن علي ومبارك عن السلطة، في عام 2011، بسبب اتهامات بإساءة استخدام السلطة والفساد، سعت السلطات المصرية والتونسية على الفور إلى استرداد الأموال المنهوبة من خلال رفع القضايا الجنائية. وبالمثل، ومؤخرا، في عام 2014، أطلقت السلطات الأوكرانية تحقيقات جنائية ضد الرئيس السابق يانوكوفيتش، متهمة إياه بالفساد واختلاس أموال الدولة.

لقد أصبحت هذه الجهود المبذولة لتعقب الجناة المزعومين واسترداد الأموال المنهوبة في قضايا الفساد الكبرى شائعة بشكل متزايد خلال العقد الماضي، نظرا لأهميتها للتأكد من قيام الأموال العامة بتعزيز التنمية الاقتصادية بدلا من أن تكون أسلوب حياة غير شريفة للمسؤولين. غير أن قضية لندن تبين أن الدعوى الجنائية ليست هي الوحيدة - أو بالضرورة - أفضل طريق للمضي قدما، حيث أن لهذه الدعوى قيود يمكن لها أن تعيق الهدف، بما في ذلك ما تتطلبه من مستوى عال من الأدلة لإثبات الإدانة الجنائية، كما وأنه غالبا ما تكون عمليات المساعدة القانونية المتبادلة بطيئة جدا. ونتيجة لذلك، كانت المبالغ المستردة حتى الآن في سياق القضايا الجنائية متواضعة جدا بالمقارنة مع حجم السرقات.

لذا تحتاج الولايات القضائية إلى النظر في خيارات أخرى. وقد أظهرت دراسة جديدة من قبل مبادرة استرداد الأموال المنهوبة (ستار)، بعنوان "فساد عام ودعاوى خاصة" كيف يمكن للدول استخدام الدعاوى المدنية الخاصة لاسترداد الأموال المنهوبة. 

 

ومثال على هذه الدعاوى القضائية هي الدعاوى المدنية التي يدعي فيها المدعي أنه تكبد خسائر نتيجة لفساد المدعى عليه، ويسعى للحصول على تعويض على أساس الأضرار أو الإخلال بالعقود أو الإثراء غير المشروع أو مبررات قانونية أخرى، في حين أن وسائل الانتصاف المدنية ليست دائما واضحة كما هو الحال في الحالة الليبية، وتستحق النظر فيها لسببين رئيسيين على الأقل. 

أولا، في المحاكمة المدنية، فإن مستوى معايير الإثبات المطلوب غالبا ما يكون أقل مما هو عليه في الإجراءات الجنائية، ونتيجة لذلك، وحيث أن إقامة صلة مباشرة بين الفساد والأموال يعتبر ضربا من المستحيل، يبقى لدى المطالبة المدنية فرصة أكبر للنجاح.

ثانيا، في بعض الولايات القضائية، تعني الدعاوى القضائية الخاصة وسبل الانتصاف المدنية وجود "جيوب عميقة" كثيرة للمقاضاة، فعلى سبيل المثال، قد يسعى شخص تعرض لخسارة مالية إلى رفع دعوى مدنية يطلب التعويض من أطراف ثالثة. ويمكن أن تشمل هذه الأطراف الثالثة أي شخص ساعد، عن علم، الفاعل الرئيسي، مثل أفراد العائلة والمقربين، والمحامين، والبنوك، والشركات. الأهم من ذلك، في سياق الدعاوى المدنية والمسؤولين أو المسؤولين السابقين وموجوداتهم قد لا يتمتعون بنفس النوع من الحصانة كما هو الحال في المحاكمات الجنائية.

ومن أجل أن يكون استخدام القضية المدنية فعالا، فانه من الضروري أن يكون لدى الدول نهج منسق واستراتيجي لجهود استرداد الأموال - حيث يتم النظر في كافة الوسائل والسبل الممكنة وكيفية تنسيقها. وباجتماع المنتدى العربي لاسترداد الأموال المنهوبة، فإن نشر هذا التقرير هو أيضا تذكير بأهمية هذا التنسيق المحلي والاستراتيجي والعملي.

تقدم الدراسة للبلدان المعنية المهتمة بإقامة دعاوى مدنية في محاكم أجنبية أسلوب عمل خطوة بعد أخرى، وتسلط الضوء على مختلف القضايا الواجب النظر فيها. كما يوفر التقرير إجابات على مختلف الأسئلة الاستراتيجية والتكتيكية والتقنية والعملية: كيف أو أين يتم رفع القضية، وكيفية اختيار المحامين، وكيفية تقدير المبالغ الواجب استردادها. وتوضح دراسات الحالة المذكورة في كل فصل منه كيفية التغلب على التحديات في الحالات السابقة، مما يؤدي إلى استرداد ناجح للأموال.

وتأمل مبادرة ستار أن "فساد عام ودعاوى خاصة" ستشجع على نهج أكثر إبداعا وابتكارا يمكنه أن يجمع ما بين المقاضاة الجنائية العادية والدعاوى المدنية مما يؤدي إلى عودة الأموال المنهوبة إلى أصحابها الشرعيين.

 

Add new comment